كتاب الأمة يناقش أهمية الدعاء في الدنيا وثوابه في الآخرة

25 سبتمبر 2007 | عدد القراءات 122 |

صدر في مجلة الوطن صوت المواطن العربي:

اكدت الدكتورة سعاد الناصر ان النفس البشرية المتميزة بأبعاده المختلفة واعماقها المعقدة الغامضة لايمكن اشباعها بالوسائل والحاجات المادية وحدها مهما غالى الانسان في توجهه المادي، وحرص على تلبية مطالبها الحسية واشباع غرائزها الطبيعية فهي تحتاج ايضا إلى اشباع جانبها الروحي الذي اصبح ضرورة تلح على الانسان كلما طغى الجانب المادي واختل التوازن داخله وأصبح الاحساس بالحاجة يتعاظم في نفسه كلما اظلمت وتوترت العلاقة بين فطرته ومكتسبات ذاته من جهة وبين ذاته والواقع المحيط من جهة أخرى.

وأوضحت في كتابها «الدعاء سبيل الحياة الطيبة» وهو الكتاب الخامس عشر بعد المائة من سلسلة كتاب الأمة التي يصدرها مركز البحوث والدراسات بوزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بدولة قطر في سعيه الدؤوب لبناء البصيرة وتشكيل الوعي وتحقيق التقوى والارتقاء المسلم إلى رحلة الوقاية وأوضحت ان الحاجة إلى اشباع النفس روحيا يتجلى بصورة واضحة حين ينغمس الانسان في كثير من الاحداث والوقائع والازمات التي لا يستطيع معرفة كنه اسبابها اوحل اشكالاتها فيلجأ بفطرته إلى الله سبحانه وتعالى ويطلب منه العون على مواجهتها والمساعدة على تيسير اسباب معالجتها او تجاوزها يقول تعالى «وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه» «يونس 12». يقول تعالى: «وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون» «الروم 33» ويقول تعالى «وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا» الاسراء 67.

وأكدت المؤلفة ان هذا الأمر متغلغل في الفطرة يتساوى فيه الناس مهما كانت اتجاهاتهم وميولاتهم الالتجاء إلى الله تعالى كلما ضافت السبل واشتد الظلام ثم الاعراض عنه تعالى ساعة الرخاء وعلاقة الانسان بربه علاقة ذاتية متأصلة في نفسه ولكل امرىء شعاع في قلبه يصله إلى خالقه لأنه تعالى أوجد في طبيعة تكوين الانسان استعدادا فطريا لمعرفته وتوحيده فالاعتراف بربوبية الله وحده في الكيان البشري فطرة أودعها الله الخالق في الكينونة الانسانية وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة فالتوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى وقد أمر الله عز وجل الناس كافة بالدعاء واختص المؤمنين بهذا الأمر مما يدل على ان أي انسان مهما بلغت درجة ايمانه وتدينه واستقامته لا يستغني عن الدعاء فهي بداية السير إلى الله ونهايته.

وأضافت: أكثر ما يبحث عنه الانسان العاقل في زمننا المعاصر مهما كان تدينه أو توجهه الطمأنينة والسلام مع نفسه ومع الآخرين والاحساس الحقيقي بالحرية والكرامة ولن ينعم الانسان بذلك إلا إذا اكتشف ذاته أولا، ومرحلة اكتشاف الذات هي مرحلة خطيرة لأنها ترسم مسار الإنسان في رحلته على الأرض، وتتطلب منه أن يوقظ نفسه من غفلتها أو جهودها بمعنى أن يتوقف لفترة قد تطول أو تقصر عن مجاراة العالم المختل، ويحاول اعادة التوازن إليه من خلال نفسه وايجاد واقع عملي يحقق له ما يصبو إليه، ويضمن له الاستقرار، ولن يستطيع ذلك إلا إذا امتلك عقيدة صحيحة تفسر له ما حوله وتفسر له مكان وجوده فيما حوله ووظيفة هذا الوجود.

وأشارت المؤلفة إلى أن البشرية تحتاج إلى من يرشدها ويوجهها إلى طريق سعادتها بتزكية النفوس وتطهير القلوب واقرار الخير والصلاح في الأرض، واستشعار عظمة الله في كل ما يحيط بها وما يتوصل إليها، وكانت كل مرحلة تجنح عن الحق وتنحرف نحو الفساد والطغيان يبعث إليها بدينه الحق عبر أنبيائه ورسله لتصحيح العقيدة، ومعالجة مختلف الأمراض الخلافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها الموجودة في بيئاتها وكانت آخر هذه الرسالات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التي جاءت إلى الإنسانية كلها تؤكد الأسس ــالايمانـــــــــية التي جاءت بها الرسالات الســـــابقة.

وأضافت: لهذا كان الإسلام يعرض لقضية البشرية من نشأتها إلى غايتها ويدعوها إلى تصحيح عقيدتها بوحدة ايمانها بالله عز وجل يقول تعالى «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة 3)، وتمثل مرحلة البعثة الإسلامية أزهى المراحل التي بلغت فيها البشرية قمة الارتقاء الإنساني ممثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة والنموذج للكمال والصلاح ثم في اصحابه رضي الله عنهم وارضاهم حيث كانت علاقاتهم بربهم علاقة متناغمة مع الكون ومع وظيفة وجودهم يقول تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون» الذاريات: 56. لذلك فالعبادة جوهر الوجود الانساني وهي تستلزم التوجه الى الله تعالى بالطلب والدعاء والدعاء لغة هو النداء نقول: دعوت فلانا ادعوه دعاء اي ناديته وطلبت اقباله واصله دعاو الا ان الواو لما جاءت بعد الالف همزت.

واوضحت المؤلفة: للدعاء في القرآن الكريم وجوه عدة تدور حول المعنى اللغوي المتقدم ومن هذه الوجوه ما جاء في قوله تعالى بمعنى النداء «فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم» واستعمل كلا من النداء والدعاء موضع الآخر في قوله «كمثل الذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء» وقوله تعالى فيما معناه الطلب «وان تدع مثقلة إلى حملها».. وقوله تعالى معني القول فما كان دعواهم اذا جاءهم بأسنا» وقوله تعالى في معنى الاستعانة «وادعو شهداءكم من دون الله.. وفي معنى الحث قال «رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا» وفي معنى السؤال «قل ادع لنا ربك» وفي معنى النسبة «ادعوهم لأبائهم هو اقسط» واضافة الى هذه المعاني جاء الدعاء في القرآن بمعنى العبادة في قوله «لن ندعو من دونه إلها» وكما جاء في قوله تعالى «وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادي سيدخلون جهنم داخرين» فجعل الدعاء هنا ممثلا للعبادة مترجما لها وقال صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة.

واكدت المؤلفة ان الدعاء هو العبادة الحقيقية ذاتها لدلالته على اقبال العبد على الله عز وجل والاعراض عمن سواه، واقترانه بسائر العبادات والطاعات التي يتقرب بها العبد إلى خالقه تعالى بشكل لايقبل الانفصال كالصلاة والصيام والحج من جهة، وكل الاعمال المحتسبة لله عز وجل من جهة أخرى ، لذا كان الاستمرار في الدعاء يشكل تأكيدا لتقرير حقيقة مهمة في نفس الانسان المسلم، وهي فقره إلى الله، وعدم استغنائه عنه في كل الاحوال، وتنمية الاحساس بالفقر إلى الله والحاجة إليه وعدم الاستغناء عنه غايات تعبدية يستهدفها الدين بذاتها ويلزم الانسان اتباعها في كل عباداته، من هنا كان الدعاء عبادة حية متحركة رغم خضوعها لزمان ومكان معينين ولأفعال خاصة والفاظ محددة الا ان الانسان ينطلق فيها حرا يتطلع لعبودية الله وحده لاشريك له يذوق حلاوة قربه والتنعم بمعيته وطاعته وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يمارسها في جميع حالاته لأنها تترجم عمق الصلة بين العبد وربه.

وطالبت المؤلفة بضرورة اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلم الدعاء منه مع الايمان والوثوق بالإجابة بعد العمل على تهيئة الظروف والأخذ بالاسباب المادية عامل يسير مهم يجب استثماره لتيسير حياة الانسان وجعلها مليئة بالرضا والطمأنينة والسلام والتقدم.وتحدثت المؤلفة عن انواع الدعاء مشيرة إلى ان الدعاء نوعان دعاء المسألة اي طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع او كشف ضر واستغفار وغيرها، ودعاء التعـــــــــبد اي سائر القربات من ذكــــــــر وتلاوة وصلاة ونســـــــك ومختلف الطاعات.

اضافت: للدعاء اهداف عديدة يمكن ان يصل إليها المؤمن من حفظ النفس وتزكيتها يقول تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» ويأتي الدعاء لشحن الانسان بدلالات القرب والمعية ما يعود نفسه البشرية على الارتقاء نحو مدارج السمو والكمال الإنساني من اهم اهداف الدعاء تبليغ الحقيقة الاسلامية واذكاء جذوتها في النفوس المتعطشة للسلام والطمأنينة والامان، ومن الاهداف المهمة ايضا التزود بزاد سهل في متناول الجميع ورغم سهولته الا انه عند الله عظيم.اكدت المؤلفة استجابة الدعاء مرهونة بمشيئة الله تعالى ومع ذلك فهناك شروط يجب على الداعى تهيئتها قبل الدعاء ثم يترك الله بعد ذلك ظروف استجابته، سواء في الدنيا او في الآخرة وهذه الشروط منها ما هو ذاتي يرتبط بالانسان الداعي ومنها ما هو موضوعى يرتبط بأسباب المسألة التي يدعو المؤمن لتحقيقها ومنها ما هو رباني يتعلق بحكمة الله وعلمه بمصالح العباد فالشرط الذاتي يستدعى الثقة المطلقة بالله عز وجل واليقين بإجابته حيث تكون الذات الانسانية تتطلع للوصول إلى علاقة قوية مع الله تعالى والارتباط به سبحانه تؤهلها لرفع الدعاء إليه، واستقبال فيوضات رحمته الربانية واستحقاق القبول منه تعالى، فصد أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله وانتم موقنون بالاجابة واعلموا ان الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه وايضا في استجابة الله «ان الله حيي كريم يستحيي اذا رفع الرجل اليه يديه ان يردهما صفرا خائبتين».

ومثل هذه العلاقة تنبني على الايمان المطلق بالله والاستجابة والاخلاص له الامر الذي يعني الالتزام بشريعته ومنهجه وضرورة تفعيل قيم ومبادئ ومفاهيم القرآن الكريم في ممارساتنا بقناعة وثقة مطلقة بوعد الله فإجابة الدعاء مرتبطة بالاستجابة لله والايمان به اي ان العون الإلهي هو ترشيد الانسان وهدايته الى اسباب نجاح دعوته وامانته على انجازها وبالتالي يكون الدعاء تعبيرا عن ايمان المسلم واعلانه بأن الله هو خالق كل شيء وهو مالك كل شيء.

واصلت المؤلفة الحديث الشروط التي يجب على الداعي تهيئتها قبل الدعاء مشيرة الى ان الشرط الموضوعي الذي يستدعي تهيئة الظروف والاسباب المصاحبة للدعاء ومن ذلك مثلا تحري الحلال في كل مستلزمات الحياة من مأكل وملبس وغيرهما فالعمل على الاخذ بالأسباب شرط اساسي من اجل استجابة الدعاء فالمريض مثلا عليه التداوي بالطب واخذ الدواء مع الدعاء وطلب الشفاء منه تعالى اما التقاعس عن اخذ الدواء والاتكال على الدعاء فهذا غباء وسلبية ينهى عنها الاسلام. لان الله جعل بحكمته علاقة بين الاشياء واسبابها ويأتي دور العون الالهي في هذه الحالة متمثلا بتوفيق الله الانسان لاصابة الاسباب الملائــــــــــمة وتأهيــــــــــــلها لاعطاء النــــتائج المرجوة.